غزة ومصر … ماذا يجب أن تكون العلاقة
كتبهاأبو القاسم بسام عليان ، في 18 شباط 2008 الساعة: 11:03 ص
غزة ومصر … ماذا يجب أن يكون…!؟
فيما يخص التدخل المصري في غزة, مهم جدا هذا الذي تعلنه القاهرة, أو تشترطه وترجوه, لكن العبرة في نهاية المطاف بالقدرة علي تنزيل تلك الرغبات علي أرض الواقع, أعني بمدي استجابة اسرائيل لها, بقياداتها المختلفة, وهي القابضة علي الأرض ولديها ما تعرف من تأييد أمريكي غير محدود لكل ما ترتكبه من حماقات أو جرائم.
(1)
لعلك لاحظت أن هذه هي المرة الثالثة التي يتواصل فيها الحوار حول الموضوع, وهذا التواصل المستمر علي مدي ثلاثة أسابيع, مع بقاء اسئلته الأساسية معلقة, خصوصا تلك التي تتعلق بسيناريوهات المستقبل واحتمالاته, يعني ـ بين ما يعني ـ اننا مازلنا بحاجة الي توسيع لدائرة الحوار, علي نحو يوفر امكانية للإقناع, الذي يمهد لإجماع وطني حول تلك المسألة الدقيقة والحساسة, تلك التي تستمد أهميتها من أمرين, أولهما أنها تشكل تطورا مهما في التعاطي المصري مع الشأن الفلسطيني, وخروجا علي ما ألزمت مصر نفسها به, أقله فيما يتعلق بإرسال عسكريين الي الخارج, وهو ما لم يحدث خلال ربع القرن الأخير, الأمر الثاني أنها تتعلق بالقضية الفلسطينية ومركزيتها في العالم العربي, واتصالها بالأمن القومي العربي, فضلا عن الأمن المصري بطبيعة الحال, وذلك كله مما لا يحتاج الي بيان.
في هذه النقطة, أزعم أن الموضوع لم ينل ما يستحقه من الحوار لا علي المستوي المصري ولا الفلسطيني, ولا العربي أيضا, وقاريء الصحف المصرية والعربية يلحظ علي الفور أن ثمة انقساما كبيرا في ذلك الصدد, الانقسام واضح في محيط النخبة المصرية, كما تعبر عنه الكتابات المنشورة في مختلف الصحف, وبيان الفصائل الفلسطينية العشرة الذي تحفظ علي التحرك المصري تعبير آخر عن ذلك الانقسام في الساحة الفلسطينية, لايمكن تجاهله, كما أن قاريء الصحف السورية يجد فيها ذلك التحفظ الصريح الذي له صداه ونظيره في الصحف العربية, وقد كان عهدنا في مثل هذه الأمور أن يتم التشاور حولها بين مصر وسوريا والسعودية, لكن ظاهر الحال يوحي بأن هذا التفاهم لم يتم, صحيح أن الرئيس ياسر عرفات وفريقه أيدوا التحرك ورحبوا به, إلا أنه في ظل الأوضاع الفلسطينية المعقدة, يصعب القول بإن هذه الموافقة تعبير كاف عن اجماع الشعب الفلسطيني.
أكرر هنا أن التساؤلات في الموضوع, لا تعني بالضرورة تشكيكا ولا اتهاما, ولكن أكثرها يظل استفهامات مشروعة, تعبر عن مخاوف حقيقية وليست وهمية, وليس يكفي في الرد علي تلك الاستفهامات والمخاوف, أن يقال لنا: لا تقلقوا, فنحن علي وعي تام بكل ما يدور حولنا, وعلي معرفة كاملة بمواقف الأطراف الأخري, ثم ان أمن مصر القومي مغطي ومستتب علي جل الجبهات, عسكريا واقتصاديا وسياسيا, وهو كلام يرطب الجوانح لا ريب, ولكنه لا يشبع المعارف ولا يقنع العقول, خصوصا حين لا تكون مصر هي الطرف الوحيد في الساحة, وتتعامل مع خرائط بالغة التعقيد ومحفوفة بالمخاطر.
في قضية بتعقيد الملف الفلسطيني, ومع قيادة إسرائيلية مثل شارون وموفاز واضرابهما,, يصعب علي المرء حين يقرأ أن ثمة تدخلا أمنيا مصريا في غزة, أن ينام مطمئن البال, معتمدا علي أن هناك من قال إن كل شيء محسوب, وأن كله تمام, واذا تذكرنا أن شارون اذا كان قد خدع الإدارة الأمريكية ـ حليفه الرئيسي ـ في غزو لبنان, فلا نستبعد منه أو نستكثر عليه أن يكرر نفس القصة مع مصر, التي بينها وبين إسرائيل ذاكرة مضمخة بالدم؟
(2)
يبدو أننا نحتاج الي مزيد من المصارحة وملامسة الواقع, بدرجة أكبر في مناقشة الموضوع, فلم أفهم مثلا لماذا يتجاهل كثيرون حقيقة العقدة الاسرائيلية ازاء مصر, وكيف أنها اصبحت بمثابة عقيدة مستقرة في محيط النخبة الإسرائيلية ـ العسكرية خصوصا ـ تعتبر مصر عدوا رئيسيا كامنا, وخطرا شكل في الماضي أهم تحد, وفي الحاضر والمستقبل أكبر تهديد محتمل لها, لذلك فإن إضعاف مصر بتكبيلها أو تقزيمها يظل بين أهداف الاستراتيجية الإسرائيلية, التي تسعي حثيثا لتحقيقها, وتتحدث عنها في بعض الأحيان, وقبل أسبوعين أشرت الي نموذج لذلك السعي, تمثل في التخطيط الإسرائيلي علي مدي أكثر من ربع قرن للتمكن من دول حوض النيل, ومن ثم الوصول الي جنوب السودان ودعم حركته الانفصالية, للضغط علي مصر من منابع النيل وإضعافها من الجنوب, وهو المخطط الذي عرضه بتفصيل وصراحة شديدة ضابط إسرائيلي شارك في العملية, هو العميد موشي فرجي, الذي ألف كتابا حول الموضوع نشر بالعبرية, وأصدره في العام الماضي مركز ديان لدراسات الشرق الأوسط التابع لجامعة تل أبيب.
إن أي مشتغل بالسياسة أو متابع للشأن الفلسطيني, يعرف جيدا أن إسرائيل لديها حساسية خاصة رافضة لأي دور لمصر, وهي مستعدة للترحيب بذلك الدور في حالة واحدة لا غير, هي أن يوظف لصالحها ويصب في وعاء مخططاتها, وفيما نحن بصدده, فإن قبولها بدور لمصر في غزة, يظل محكوما بهذه الرؤية, ومن الخطأ الجسيم والخطر البالغ أن نتجاهل هذه الحقيقة, ولا احتاج لمن يقول لي بأن مصر ترفض هذا المنطق علي طول الخط وتتأبي عليه, فذلك مفروغ منه, لكن رفضنا له لا يعني أنه غير موجود, ومن التبسيط المخل أن نستبعده أو نسقطه من حساباتنا, لمجرد أننا نتحدث عن دور أكبر أو تفكير آخر في التحرك.
ذلك كله يسوع لنا أن نقول بإن مصر اذا كانت ذهبت الي غزة لمساعدة الشعب الفلسطيني, كما قيل في أكثر من مقام, فمن السذاجة أن نعتقد بأن الترحيب الإسرائيلي انطلق من نفس الرغبة, حيث لم نسمع عن حرص إسرائيلي علي مساعدة الشعب الفلسطيني إلا علي الركوع والانبطاح, أو الهجرة خارج البلاد بطبيعة الحال, وليس هناك شك في أنها تحرت في ذلك الترحيب مصلحتها هي, وراهنت علي أن الوجود المصري سيكون عونا للشعب الإسرائيلي, علي الأقل من حيث تأمينه ضد هجمات المقاومة.
(3)
نقطة أخري في المسألة, ذلك أن الوجود الأمني المصري, أيا كان حجمه, حتي وإن كان في حدود عشرة أشخاص, هو وجود سياسي في حقيقة الأمر, يدخل القطاع بدرجة أو أخري تحت المظلة السياسية المصرية, وهذا الوجود يستدعي أسئلة عديدة, منها مثلا: ماذا يكون موقف هذا الفريق المصري اذا ما أغار شارون علي غزة أو الضفة, ورد الفلسطينيون علي ذلك؟ وهل سيمنعون من الرد؟ وماذا لو أن الإسرائيليين دخلوا الي القطاع وقتلوا واحدا أو أكثر من رجال المقاومة المدرجين علي قوائم الاغتيالات عندهم؟
نقطة ثالثة, هي أن القيادة الإسرائيلية مصممة علي ألا تترك حدود القطاع بأيدي المصريين والفلسطينيين, وهو ما أعلنه الجنرال شاؤول موفاز وزير الدفاع, الذي قال إن إسرائيل لن تنسحب من محور فيلادلفيا, واشترط لذلك أن يثبت المصريون صدقهم في أدائهم للدور الأمني.. وهو ابتزاز لا حدود له لا يقابله أي التزم إسرائيلي, كما أن إسرائيل بدأت فعلا في إجراءات حفر النفق المائي علي طول الحدود مع مصر, رغم نفيها الرسمي لذلك, بالمقابل فإن وزير الخارجية المصرية أحمد ماهر أعلن رفض القاهرة لأي وجود إسرائيلي علي حدودها مع فلسطين, كما أنها ترفض مسألة الخندق المائي, ما العمل اذا كانت التصريحات تمضي في اتجاه, في حين تتحرك الحقائق في اتجاه معاكس؟.
نقطة رابعة, تحدثت التصريحات المصرية عن ان اخلاء مستعمرات غزة مقدمة لإخلاء مستعمرات الضفة, في حين أن إسرائيل متجهة بقوة الي العكس تماما, حيث قررت تعزيز الاستعمار في الضفة, وقد نشرت صحيفتا معاريف وهآرتس في6/15 ان وزير الدفاع شاؤول موفاز أصدر تعليماته الي الإدارة المدنية الإسرائيلية في الضفة بإعداد خطة لإقامة آلاف الوحدات السكنية لتعزيز السيطرة الصهيونية عليها( علما بأن شارون تعهد للرئيس الأمريكي بوش في أثناء عرض خطة الانسحاب أحادي الجانب عليه بعدم نقل مستعمري القطاع الي الضفة), وحسب الخطة فسوف تتم مصادرة عشرة آلاف دونم من أراضي الفلسطينيين لاقامة المساكن الجديدة عليها, التي تبشر بانطلاق الاستعمار بالضفة.
نقطة خامسة وأخيرة تتمثل في أن صحيفة يديعوت أحرونوت كشفت النقاب عن أن العمل في مشاريع البنية التحتية في مستعمرات قطاع غزة يتواصل, بدون أي حملة بمصادقة حكومة شارون علي خطة فك الارتباط من جانب واحد, ونقلت الصحيفة عن وزير المالية بنيامين نيتانياهو قوله, إن مصادقة الحكومة علي الخطة لا تعني بالضرورة إخلاء المستعمرات في النهاية, وفي برنامج مشعال حام الذي عرضته القناة الثانية قال نيتانياهو, انه خلال التصويت المنتظر في الحكومة علي تنفيذ أولي خطوات الخطة( قرار الحكومة أن يجري التصويت علي كل مرحلة), يمكن أن تتوفر أغلبية توقف تنفيذ الخطة كلها, والسؤال الذي يطرح في هذه الحالة هو: ماذا سيكون موقف مصر إزاء تلك الاحتمالات؟
(4)
حتي نقف علي أرض الواقع, ولا نحلق بعيدا في آفاق الأمنيات مستسلمين للبراءة المفرطة, أرجو أن نقرأ جيدا ما بثته صحيفة معاريف في موقعها علي الإنترنت يوم الاربعاء6/23, في اعقاب زيارة السيد عمر سليمان رئيس المخابرات المصرية لرام الله وتل أبيب, فقد أوردت ما نصه: قال شارون خلال اجتماع عقده مع كل من وزيري الخارجية والدفاع سليفان شالوم وشاؤول موفاز, للبحث في مستقبل العلاقات الثنائية مع مصر, إنه يجب حصر الدور المصري في الجانب الأمني فقط, وشدد شارون علي أن حكومته لن تبلغ مصر بأي موقف رسمي يتعلق بمستقبل تطبيق خطة فك الارتباط, بل ستطالب أولا باطلاعها علي الجهود الأمنية التي تقوم بها القاهرة في محاربة عمليات تهريب الأسلحة الي غزة, وأضاف أن نجاح مصر في هذه المهمة شرط أساسي لقبول إسرائيل لدورها في عملية فك ارتباط.
قال شارون أيضا, انه علي الرغم من الدور المهم الذي يمكن أن تلعبه مصر في قطاع غزة, وعلي حدودها مع قطاع غزة في أعقاب تطبيق خطة فك الارتباط, فإن ذلك لا يعني أن نسمح للقاهرة بلعب دور الوسيط بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية, وأضاف في الاجتماع الذي حضره عدد من قادة الأجهزة الاستخبارية الإسرائيلية أن إسرائيل لايمكنها أن تسمح لمصر بلعب دور الوسيط, علي اعتبار أن ذلك يمس بالطابع أحادي الجانب للخطة, ورفض شارون الشروط التي وضعتها مصر لإرسال قواتها الي قطاع غزة, ومن هذه الشروط وقف الجيش الإسرائيلي عملياته داخل القطاع بمجرد وصول القوات المصرية, منها أيضا مطلب الالتزام المسبق ببناء ميناء فلسطيني في غزة, أو مطار في رفح.
أثناء الاجتماع, قال شارون لبعض الحاضرين: لقد فاجأتني مسارعتكم الي الإمساك بتلابيب الضيف( يقصد السيد عمر سليمان), في حين أن الرجل لم تعد له ملابس يمكن الامساك بها, لكنه تدارك الموقف بعد ذلك قائلا انه لم يقصد توبيخ أحد من الحاضرين, لكنه قصد ألا يتوجب اعطاء الدور المصري أكثر مما يستحق.
علي صعيد آخر, أبلغ وزير الخارجية الإسرائيلية المبعوث المصري, خلال لقائه به, بأن إسرائيل ترفض بقوة مطالبة مصر إدخال قوة متعددة الجنسيات الي قطاع غزة في اعقاب انسحاب إسرائيل منه, وكان شارون قد أكد أن الدور المصري في تطبيق خطة فك الارتباط يجب أن يتمحور فقط في الترتيبات الأمنية, وأصدر تعليمات مشددة لوزرائه وقادة الأجهزة الأمنية, بعدم عرض أي مواقف سياسية علي السيد سليمان بشأن مستقبل تطبيق خطة فك الارتباط, مؤكدا أن عليهم أن يركزوا معه علي الجوانب الأمنية في الخطة فقط, وقد طلب المسئولون الإسرائيليون من سليمان بأن تقوم أجهزة الأمن المصرية بتشديد الحراسة, ليس فقط علي قطاع غزة, بل علي طول الحدود مع إسرائيل حتي مدينة إيلات, وترفض إسرائيل بشدة وقف عمليات الاغتيال والتصفية في اثناء وجود فرق الأمن المصرية.
هكذا تري القيادة الإسرائيلية حدود التدخل المصري, اضعه بين يدي الذين رحبوا بذلك التدخل وشجعوه, بلا تعليق!
(5)
في أصدء ما كتبت في الأسبوع الماضي, قرأت كلاما محترما يستحق المناقشة التي مررت بها, وكلاما آخر سقيما, افتقد الي الجدية والموضوعية, فضلا عما اعتراه من تغليط في الأفكار وركاكة في الأسلوب وأخطاء حتي في الاملاء, وبرغم أن موضوع المناقشة الأساسي كان مصر الكبيرة ومخاطر وجودها في غزة, وعن فلسطين الوطن والقضية, فإن تلك الردود تحدثت عن تنظيمي حماس والجهاد, وعن موالاة الكفار والتيار الاسلاموي وتوحيد أجهزة الأمن وحكاية التحرير من النهر الي البحر, وأدخلت في الموضوع قتل بعض الشيعة في العراق ونسف مقر الأمم المتحدة هناك. وإزاء ذلك التخليط المسكون بالانفعال, فإنني وجدت أن الأمر يستحق الرثاء بأكثر مما يستحق المناقشة, وأدركت مما قرأت الي أي مدي يخل الانفعال بالتوازن والموضوعية, ناهيك عن أنه يضر بالصحة, لذلك فإن نصيحتي لمن يريد أن ينازل في مثل هذه الساحات أن يتناولوا بعض الحبوب المهدئة أولا, ليس فقط للحفاظ علي صورتهم أمام القراء, ولكن أيضا للحفاظ علي صحتهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : الرسالة الثامنة | السمات:الرسالة الثامنة
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























فبراير 27th, 2008 at 27 فبراير 2008 8:32 ص
تشرفنا بزيارة مدونتكم، آملين منكم إرسال مشاركاتكم على موقعنا
وكالة سرايا الإخبارية http://www.sarayanews.com