غزة ومصر … ماذا يجب أن يكون…!؟
فيما يخص التدخل المصري في غزة, مهم جدا هذا الذي تعلنه القاهرة, أو تشترطه وترجوه, لكن العبرة في نهاية المطاف بالقدرة علي تنزيل تلك الرغبات علي أرض الواقع, أعني بمدي استجابة اسرائيل لها, بقياداتها المختلفة, وهي القابضة علي الأرض ولديها ما تعرف من تأييد أمريكي غير محدود لكل ما ترتكبه من حماقات أو جرائم.
(1)
لعلك لاحظت أن هذه هي المرة الثالثة التي يتواصل فيها الحوار حول الموضوع, وهذا التواصل المستمر علي مدي ثلاثة أسابيع, مع بقاء اسئلته الأساسية معلقة, خصوصا تلك التي تتعلق بسيناريوهات المستقبل واحتمالاته, يعني ـ بين ما يعني ـ اننا مازلنا بحاجة الي توسيع لدائرة الحوار, علي نحو يوفر امكانية للإقناع, الذي يمهد لإجماع وطني حول تلك المسألة الدقيقة والحساسة, تلك التي تستمد أهميتها من أمرين, أولهما أنها تشكل تطورا مهما في التعاطي المصري مع الشأن الفلسطيني, وخروجا علي ما ألزمت مصر نفسها به, أقله فيما يتعلق بإرسال عسكريين الي الخارج, وهو ما لم يحدث خلال ربع القرن الأخير, الأمر الثاني أنها تتعلق بالقضية الفلسطينية ومركزيتها في العالم العربي, واتصالها بالأمن القومي العربي, فضلا عن الأمن المصري بطبيعة الحال, وذلك كله مما لا يحتاج الي بيان.
في هذه النقطة, أزعم أن الموضوع لم ينل ما يستحقه من الحوار لا علي المستوي المصري ولا الفلسطيني, ولا العربي أيضا, وقاريء الصحف المصرية والعربية يلحظ علي الفور أن ثمة انقساما كبيرا في ذلك الصدد, الانقسام واضح في محيط النخبة المصرية, كما تعبر عنه الكتابات المنشورة في مختلف الصحف, وبيان الفصائل الفلسطينية العشرة الذي تحفظ علي التحرك المصري تعبير آخر عن ذلك الانقسام في الساحة الفلسطينية, لايمكن تجاهله, كما أن قاريء الصحف السورية يجد فيها ذلك التحفظ الصريح الذي له صداه ونظيره في الصحف العربية, وقد كان عهدنا في مثل هذه الأمور أن يتم التشاور حولها بين مصر وسوريا والسعودية, لكن ظاهر الحال يوحي بأن هذا التفاهم لم يتم, صحيح أن الرئيس ياسر عرفات وفريقه أيدوا التحرك ورحبوا به, إلا أنه في ظل الأوضاع الفلسطينية المعقدة, يصعب القول بإن هذه الموافقة تعبير كاف عن اجماع الشعب الفلسطيني.
أكرر هنا أن التساؤلات في الموضوع, لا تعني بالضرورة تشكيكا ولا اتهاما, ولكن أكثرها يظل استفهامات مشروعة, تعبر عن مخاوف حقيقية وليست وهمية, وليس يكفي في الرد علي تلك الاستفهامات والمخاوف, أن يقال لنا: لا تقلقوا, فنحن علي وعي تام بكل ما يدور حولنا, وعلي معرفة كاملة بمواقف الأطراف الأخري, ثم ان أمن مصر القومي مغطي ومستتب علي جل الجبهات, عسكريا واقتصاديا وسياسيا, وهو كلام يرطب الجوانح لا ريب, ولكنه لا يشبع المعارف ولا يقنع العقول, خصوصا حين لا تكون مصر هي الطرف الوحيد في الساحة, وتتعامل مع خرائط بالغة التعقيد ومحفوفة بالمخاطر.
في قضية بتعقيد الملف الفلسطيني, ومع قيادة إسرائيلية مثل شارون وموفاز واضرابهما,, يصعب علي المرء حين يقرأ أن ثمة تدخلا أمنيا مصريا في غزة, أن ينام مطمئن البال, معتمدا علي أن هناك من قال إن كل شيء محسوب, وأن كله تمام, واذا تذكرنا أن شارون اذا كان قد خدع الإدارة الأمريكية ـ حليفه الرئيسي ـ في غزو لبنان, فلا نستبعد منه أو نستكثر عليه أن يكرر نفس القصة مع مصر, التي بينها وبين إسرائيل ذاكرة مضمخة بالدم؟
(2)
يبدو أننا نحتاج الي مزيد من المصارحة وملامسة الواقع, بدرجة أكبر في مناقشة الموضوع, فلم أفهم مثلا لماذا يتجاهل كثيرون حقيقة العقدة الاسرائيلية ازاء مصر, وكيف أنها اصبحت بمثابة عقيدة مستقرة في محيط النخبة الإسرائيلية ـ العسكرية خصوصا ـ تعتبر مصر عدوا رئيسيا كامنا, وخطرا شكل في الماضي أهم تحد, وفي الحاضر والمستقبل أكبر تهديد محتمل لها, لذلك فإن إضعاف مصر بتكبيلها أو تقزيمها يظل بين أهداف الاستراتيجية الإسرائيلية, التي تسعي حثيثا لتحقيقها, وتتحدث عنها في بعض الأحيان, وقبل أسبوعين أشرت الي نموذج لذلك السعي, تمثل في التخطيط الإسرائيلي علي مدي أكثر من ربع قرن للتمكن من دول حوض النيل, ومن ثم الوصول الي جنوب السودان ودعم حركته الانفصالية, للضغط علي مصر من منابع النيل وإضعافها من الجنوب, وهو المخطط الذي عرضه بتفصيل وصراحة شديدة ضابط إسرائيلي شارك في العملية, هو العميد موشي فرجي, الذي ألف كتابا حول الموضوع نشر بالعبرية, وأصدره في العام الماضي مركز ديان لدراسات الشرق الأوسط التابع لجامعة تل أبيب.
إن أي مشتغل بالسياسة أو متابع للشأن الفلسطيني, يعرف جيدا أن إسرائيل لديها حساسية خاصة رافضة لأي دور لمصر, وهي مستعدة للترحيب بذلك الدور في حالة واحدة لا غير, هي أن يوظف لصالحها ويصب في وعاء مخططاتها, وفيما نحن بصدده, فإن قبولها














